بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 21 يونيو 2014

القصر الاسود


§ القصـــر الأســـود § .. روايتـى الخامسـة .. بقلمـي : بنوتــة أسمــرة





يسعدنى النهاردة انى أقدملكوا روايتى الخامسة
وأتمنى انها تعجبكوا


القصر الأسود



المقدمة

فى ليلة اختفى فيها القمر
حاولت ان اهرب من القدر
لكنه عاجلنى بصفعته
فهوى جسدى برمته
صرخت بكل قوتى
آه منك يا غربتى
بنظرات شذرة رمقته
وبعزم طاقتى دفعته
لكنه عاد وسحقنى
وفى قيوده وضعنى
سقطت صارخة باكية
فأسكتنى بصفعة دامية
اغمضت عيناى متألمة
وأنا لمصيرى مستسلمة
سحقا فأنا المذنبة
وسأدفع الثمن متأكدة



التقطت الممرضة جهاز التحكم ورفعت صوت التلفاز القديم القابع فوق أحد الرفوف العالية .. والذى كان يعرض احدى المسرحيات القديمة .. تعلقت عيون الجالسين به والابتسامة تأخذ طريقها كل حين الى وجوههم .. تتسع تارة لتصبح ضحكة صغيرة .. وتضيق تارة لتصبح خيط رفيع من بقايا ضحكة .. انفتح الباب المؤدى الى حجرة الطبيبة فتعلقت العيون بالمرأة ذات البطن الكبير المتكور وهى تستند الى ذراع احدى السيدات والتى فيما يبدو والدتها أو إحدى قريباتها .. فما كادت تغادر العيادة حتى نظرت الممرضة فى دفترها ونادت برتابة على اسم صاحبة الكشف التالى .. دخلت المرأة التالية وأغلقت الباب خلفها فعادت عيون الجالسين تعانق شاشة التلفاز مرة أخرى 

اذا التفت الى يسارك فسترى فى أحد الزوايا البعيدة فتاة نحيلة تجلس فى انكسار .. تقضم أظافرها بين الخين والآخر غير منتبهة لما يدور حولها .. لا تشارك الجالسين متعتهم فى متابعة تلك المسرحية التى استحوذت على انتباههم .. اذا دققت النظر الى عيناها التى تطرق بهما الى الأرض فستجد لوحة حزن قد رُسمت بريشة من ألم ! 
عينان ذابلتان دامعتان قلقتان .. الآن انظر الى شفتيها الجافة لتجد أنها تهمهم بكلمات غير مسموعة .. انظر الى جسدها المختبئ خلف ملابسها الفضفاضة ستجده نحيلاً هزيلاً لا يظهر عليه أى تكور بعكس أغلب النساء الجالسات حولها !

انتفض جسدها بقوة عندما أخرجتها الممرضة من شرودها منادية اياها بإسمها لكى تتقدم الى حجرة الفحص .. سارت بخطوات متثاقلة مضطربة .. وعيون الجميع تخاصم التلفاز لتتعلق بها متأملة اياها فى فضول وهى تتوجه الى غرفة الفحص .. انغلق الباب خلفها فتنهدت بعض الجالسات مللاً .. ثم عادت نظرات الجميع تتعلق بالتلفاز مرة أخرى

فى حجرة الفحص وبصوت مضطرب مبحوح وعينان تشعان قلقاً قالت الفتاة للطبيبة :
- عايزة اعرف اذا كنت حامل ولا لأ ؟!
أشارت الطبيبة باسطة كفها فى اتجاه سرير صغير قابع فى أحد الأركان .. تركت الفتاة حقيبتها فوق المقعد ومددت جسدها فوق السرير وهى تنظر الى الطبيبة فى حيرة لا تدرى كيف سيتم الكشف .. فابتسمت الطبيبة قائله بود :
- اظاهر ان دى أول مرة تكشفى .. ارفعى هدومك عشان احط الجهاز ده فوق بطنك
انصرف انتباه الطبيبة الى اعداد جهاز السونار فيما فعلت الفتاة ما قالته الطبيبة بخجل ملحوظ ! .. نظرت الطبيبة الى بطنها المكشوف ثم مسدته بسائل لزج خفت برودته فوراً بعدما لامس جسدها الساخن الذى يتصبب عرقاً على الرغم من حالة الطقس المعتدلة 
أخذت الطبيبة تحرك الجهاز فوق بطنها يميناً ويساراً .. الى أعلى والى أسفل وعيونها معلقة بشاشة الجهاز .. نقلت الفتاة نظرها بإضطراب من الشاشة الى الطبيبة .. ثم نظرت الى سقف الغرفة تحاول بصعوبة أن تمنع نفسها من النظر الى كليهما ! .. اضطرب تنفسها وتحركت شفتاها مرة أخرى بهمهمات غير مسموعة .. لحظات بدت كسنوات قبل ان تعلن الطبيبة نتيجة الفحص :
- مبروك .. انتى حامل

تحركت الطبيبة من مكانها لتعاود الجلوس خلف مكتبها .. تخط بضعة كلمات فوق ورقة أمامها .. لم تنتبه الطبيبة لذلك النهر المندفع من العبرات التى احتشهد فى عيني الفتاة وهى تعدل من ملابسها بأيدى مرتعشة .. ثم تنهض بتثاقل وعلى وجهها مرارة وغلبة وانكسار .. قالت الطبيبة وهى تسلمها الورقة :
- دى أدوية مهم أوى تاخديها .. الحمل لسه فى أوله وأهم حاجة المصبت عشان أول 3 شهور يمروا على خير .. كتبتلك على كالسيوم وحديد وفوليك آسيد .. وهى برده مهمة جدا تاخديها .. ضرورى تاخدى الادوية فى المواعيد اللى كتبتهالك لان مينفعش الحديد يتاخد مع الكالسيوم فى نفس المعاد

لم تستمع الفتاة الى تلك النصائح والتوجيهات التى ألقتها الطبيبة على مسامعها .. انشغل عقلها بذلك الشئ الذى ينمو داخل أحشائها .. امسكت الورقة بغير اهتمام ثم حملت حقيبتها وتوجهت الى الخارج .. صفع وجهها الحزين نظرات الجالسات .. فظهر الأسى على وجوه بعضهن وتمتمت احداهن بصوت خافت :
- ربنا يرزقها هى وكل مشتاقه !
نزلت الدرجات بآلية .. وسارت فى الشارع الهادئ عدة أمتار قليلة قبل ان تتوقف فجأة .. نظرت حولها بأعين دامعه كمن يبحث عن شئ بعيد عنه .. لكنه يحتاجه بشده .. أنبأت تعبيرات وجهها بقدوم عاصفة عاتية من البكاء .. ثوانى قليلة .. ثم انفجر البركان بداخلها فانسابت العبرات فوق وجهها دون توقف .. فى تخبط جلست على الرصيف بين سيارتين مصفوفتين خلف بعضهما البعض .. أسندت رأسها المكلوم الى كفيها تاركة لعبراتها وشهقاتها العنان ..وسط ذلك البكاء الحار امتدت يدها الى بطنها تتحسسه تارة وتقرصه تارة أخرى .. بدت وكأنها تريد نزع تلك البذرة من أحشائها قبل أن تنمو وتصبح شجرة يافعة .. دقائق طويلة مرت قبل أن تنتهى العاصفة فجأة كما بدأت فجأة .. نهضت مترنحة وهى تستند بكلتا يديها الى السيارتين .. وبخطى حائرة مضطربة سارت بضع خطوات وهى تدفع وجهها فى الأرض 

فجأة سمعت صوت صراخ عجلات سيارة أثناء احتكاكها بالأرض بقوة مختلطة بصيحات بعض المارة .. فانتبهت الى تلك السيارة المسرعة التى تتوجه ناحيتها .. وقبل أن تتخذ أى رد فعل قذفتها مقدمة السيارة بقوة بضعة أمتار قبل ان تتهاوى أرضاً .. شعرت بألم حارق يغزو جسدها النحيل المسجى على الأرض .. رات وجوه لأشخاص لا تعفهم قبل أن تغمض عيناها مستسلمة لذلك الخدر الذى سرى فى جسدها كله
التف حولها السائق وبعض المارة .. يتصل أحدهم بالاسعاف .. وآخر يعبث بحقيبتها عله يتوصل الى هويتها أو رقم أهلها فيخبرهم بتلك الحادثة المفجعة .. بينما السائق يدافع عن نفسه بقوة وهو يلقى باللوم على الفتاة التى ظهرت أمامه فجأة متعمدة أن تلقى بنفسها أمام سيارته المسرعة .. فلنترك المشهد كما هو بينما نحاول نحن معرفة من تلك الفتاة .. وما هى قصتها .. ؟!
لكن للأسف لا أحد من الملتفين حولها يستطيع أن يخبرنا بقصتها فكلهم مثلنا لم يلتقوها من قبل .. وحده الزمن يستطيع أن يروى فضولنا ويقص علينا ما نريد .. فيا زمن هلا رفقت بحالنا وأجبت مطلبنا وأخبرتنا بقصة هذه الفتاة ؟!
الزمن : اسمعوا واعوا .. فقصتها ليست هينة .. تحمل فى جعبتها الكثير والكثير .. تحتاج قصتها الى قلوب رحيمة قبل آذان مصغية .. هلموا والتفوا فى دائرة فى منتصفها نار وبعض الحطب .. فى ليلة شتوية باردة .. ليسرى دفء النار فى أجسادكم التى خدرها البرد .. يظهر من فوقكم القمر ليلقى بآشعته الفضية على أجسادكم فيُصبغ المكان بذلك الجو الساحر 
انفضوا عقولكم مما يشغلها .. وأعيرونى انتباهكم كاملاً .. اتركوا مشاعركم تقودكم فى عوالم تلك القصة كأنكم جزء منها .. بأحزانها وأفراحها وأشجانها .. ولكم على عهد .. لا تملونى ولا أملكم حتى أنتهى من الكلام .. حلقوا معى فى سماء خيالكم لنعود سنين وسنين الى الوراء .. عندما أتت "بسمة" الى تلك الحياة !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق